الشيخ علي المشكيني
125
رسائل قرآنى
وأمّا قوله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ « 1 » وكذا آية الحجر فقد مرّ المراد بهما وأنّهما لا ينافيان ما ذكرناه . وبالجملة : لما أعطاه اللَّه قوّة التعقّل من بين أبناء نوعه وأفراد جنسه ، ثمّ علّمه الأسماء واختاره بهذا المنزلة الكريمة ، أمر الملائكة بالخضوع له إمّا بنحو السجود المتعارف عندنا ، أو بمعناه اللغوي ، فخضعوا جميعاً ، وأبى إبليس . ثمّ إنّ الشيطان صار عدوّاً له ولزوجه وأبنائهما المتّصفين العقل والعلم وراثة منهما ، دون سائر أبناء نوعه ، فحفظهما اللَّه تعالى في جنّته عن شرّه إلى أن خرجا منها بالمخالفة . هذا كلّه بناءً على القول الثاني في أصل المسألة . وأمّا بناءً على القول الأوّل فاللازم حمل قوله : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ على كلام مستأنف ، وهو متقدّم في المعنى على قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ اْلأَسْماءَ ؛ إذ السجود وقع حين نفخ الروح فيه وحين إحيائه ، وذلك مقدّم على التعليم . وأنت خبير بأن هذا الحمل غير مستحسن . ومنها : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ « 2 » . والاصطفاء إمّا بتعليم الأسماء أو بالنبوّة ، لا بالخلق والعقل ؛ لاشتراك العالمين بعده مع آدم في ذينك الأمرين ؛ فالآية غير مربوطة بأمر الخلقة . ومنها : قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ « 3 » . هذه الآية من أمتن ما استدلّ به أصحاب القول الأوّل على كون آدم عليه السلام هو أوّل مخلوق من البشر ، والإنسان صوّره اللَّه من الطين ، ثمّ نفخ فيه من روحه ؛ فصار إنساناً حيّاً سويّاً . ولما ادّعت النصارى كون المسيح ابن اللَّه أو هو اللَّه تعالى لأنّه لم يولد من أب إنسان ، أجاب اللَّه
--> ( 1 ) . ص ( 38 ) : 76 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 33 . ( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 59 .